
وأن اسمه الموعود في كل مقول
سيسمعه الناعون من فم ناعيه
أجل هذه ذكراه يا نفس فاذكري
فجيعتنا فيه، وما أنت ناسيه
أجل هذه ذكراه يا عين فاذرفي
عليه شآبيب المدامع دامية
– مقتبس قصيدة عباس محمود العقاد في تأبين معاوية محمد نور، بعنوان:
(الشهيد معاوية )
______________
لماذا لم يزل السودانييون لا يذكرون العبقري معاوية محمد نور
..؟
_____________
في أحد أيام تجوالي العنيف في سودانيز أون لاين تلك الأيام الممتلئة بالأحداث والتفاصيل المختلفة بتلك الروح القلِقة الحائرة التي لم تنفك من التساؤلات والشكوك تلك الروح الهائمة في صحاري الفكر والأدب الحر ، قبل أن يتآسى بها الزمان ويتآكل عليها المكان وبدت تنحسر شيئًا فشيء في فارغ مأهول وفضاء شاسع ممتد لا شيةَ فيه.
في أزقَّة سودانيز أولاين وأنا أنهم المقالات والقصص المهمة والغير مهمة والقصائد الجميلة والرتيبة والشعراء الذين يتبعهم الغاوون والشعراء الذين ذكروا الله كثيرًا وبينما انا في تلك الفوضى العارمة من البحث وملء الفجوة التي في روحي فإذا بي أجد لساني يتحدث بلغة غير مألوفة له ، لغة عالية ورفيعة ومنسابة تمامًا وجدتني أقول (الوقت ليل . والكون ساج نائم . فما تسمع نأمة ولا ترى حركة ، ولا تحس سوى الركود والإغفاء ، والسكون الشامل ، والظلام الصافي ، والهدأة الناعسة . ولقد تحس الحين بعد الحين حركة ضئيلة أو تسمع صوتا خافتا فيزداد إحساسك بذلك الصمت ويشتد تقديرك لذلك السكون ، ويأخذك ذلك السحر ، وتستولي على نفسك تلك الهدأة ويغمرك ذلك الصفاء . فتروح في عالم الأحلام والذكريات وتدلف إلى عوالم الفكر والعواطف المشجيات . ..الخ) يا لهذه الدهشة !!! مَن الذي يتحدث..؟؟ لم أكمل القراءة عدت بمؤشر الماوس للأعلى لأعرف من هو هذا الكاتب (معاوية محمد نور ) إسم عادي لا أعرفه ، كيف لا أعرفه وأنا رجل مثقف ..؟ كنت أظن أنني اعرف كل شيء كمعاوية محمد نور الذي يعرف كل شيء حتى موته وهذه قصة أخرى ، خرجت مسرعًا للبحث عنه في ويكيبيديا ترآءَ إلى ذهني ربما يكون أحد أساتذة الجامعات الذين لا أعرفهم ولكني وبدون حفيظة أشعر بأن الأكاديميين الأدباء لغتهم قد لا تخلو من الملل إلا ما ندر.
وعندما بحثت في ويكيبيديا ومن النظرة الأولى لنتيجة البحث أصابني ذهول وحزن في آنٍ واحد ، ذُهِلت حينما قرأت عمر الكاتب أثنان وثلاثون فقط ، وحزنت عندما علمت بإن عمره توَّقف في ذلك المكان ! مات في ذلك العمر أثنان وثلاثون عاما فقط.
لقد شعرت بقلق كبير عدت مرة أخرى لأتمم النص الذي بدأت وكان بعنوان (في الخرطوم خواطر وذكريات محزونة) وأظهر لي المنتدى قصة أخرى بعنوان (ام درمان مدينة السراب والحنين).
ثم توقفت كثيرا في القصة القصيرة التي تحمل عنوان (إيمان ) قلت لكم في هذا المقال معاوية محمد نور يعرف كل شيء حتى موته كان يعلمه تمامًا كما تصوره في هذه القصة تلك النهاية المأساوية لعبقري فذ وقلم جريء ذلك القلم الذي قدم نقد جريء لأعظم الكتاب في تلك الحقبة ولعل اهم ما وصفه في تلك الجراءة الدكتور النور حمد حينما قال (إن أميز ما يميز معاوية عندي هو أنه لم يحسّ بالدونية تجاه أحد من العالمين فانبرى محاججا مناظرا ومنتقدا لكبار الادباء مثل طه حسين، وأحمد شوقي، وإبراهيم ناجي، وعلي محمود طه، والمازني، ومحمد حسين هيكل ).
كان الجليس الدائم للعقاد وكبار الأدباء العرب آنذاك حينما كان يدرس في القاهرة وتلك قصة مأسوية أخرى في حياة كاتبنا معاوية محمد نور وتلك المعاناة التي لقاها من الإستعمار في سبيل تحقيق أهدافه في قراءته للأدب في كلية غردون ولكن كان الإستعماريون لا يريدون لأبناء البلد التعلم وذلك لا يكون الا عن طريق قراءة الأدب والتاريخ والفلسفة كانوا يقتصرون الدراسة في غوردون في كليات العلوم الطبيعية فقط واغلبها في هندسة المساحة والمعمار والسكك الحديدية والميكانيكا كما ذكر معاوية محمد نور في كتابه (قصص وخواطر ) الذي سرد فيه معاناته في تلك الفترة وأن كيف تماطلت معه القوة الاستعمارية في منحه جواز سفر ليدرس في لبنان أو أمريكا وكان من الممكن أن يبتعث لأكسفورد في تلك الفترة لما يملكه من نبوغ ومعرفة واسعة وبرغم كل هذه التحديات سافر كاتبنا ودرس في لبنان والقاهرة وألتهم المعرفة والفكر إلتهاما ، حيث أهتم بالأدب اللاتيني والغربي والتهمه و أتقنه وعرفه اكثر من اللاتنيين نفسهم فقد عرف تاريخ المسرح والشعر والرسم والرقص اللاتنيني وعرف رواد المدارس الأدبية والفكرية كمن لا يعرف ذلك أحد وفهم الفلسفة كمن لا يفهم الفلسفة أحد واتقن اللغة الإنجليزية اكثر من الإنجليز نفسهم ووصفه مدير كلية غردون عندما قابله للتوظيف في الكلية حينما قال عنه (ليست هذه العينة التي نوظفها..هذا يَعرف).
وعند عودته من الدراسة ما إن لبث أياما قليلة حتى تأثر بمرض نفسي وعضوي ولم يجد الرعاية الكافية بسبب تفشي الجهل في تلك الفترة حيث عومل معاملة وحشية وكان مربوطا في فناء الدار من ثم تم تقييده بسلاسل في المسيد وضُرب ضربً كثيرا حتى صار شبحا نحيلا هزيلا كما في قصته( إيمان ) في تلك الفترة زاره أحد رواد الأدب العربي محمود عباس العقاد ووجده في تلك الحالة وكتب قصيدته الشهيرة بعدما علم بوفاته القصيدة التي اوردتها في بداية المقال وقال عنه (لو عاش معاوية محمد نور لكان نجما مفردا في سماء الأدب العربي).
ولكن اسفي الطويل على السودانيين الذين لم يقرأءوه حق قراءته سوا قلة قليلة من المتهمين بالفكر والأدب ،السودانيين الذين قال عنهم معاوية (ونفوس السودانيين، واضحة، واسعة، وضوح الصحراء، وسعتها، وخلقهم لين صاف، لين ماء النيل، وصفاءه، وفيهم رجولة تكاد تقرب من درجة الوحشية، وهم في ساعات الذكرى والعاطفة يجيش الشعور على نبرات كلماتهم، وسيماء وجوههم، حتى تحسبهم النساء والأطفال، وتلك ميزات لا مكان لها في حساب العصر الحاضر، وإن كان لها أكبر الحساب في نفوس الأفراد الشاعرين وفي تقدير الفن والشعر والحضارة.) وهذا المقال كُتب بحسرة وتأنيب ضمير بالغ في تقصيرنا جميعا في التعريف بهذا العبقري العظيم المدهش الذي يصفه الدكتور مختار عجوبة بإنه اول من كتب قصة قصيرة مكتملة .
وقال عنه الأستاذ محمود محمد طه (اهتموا بمعاوية محمود نور والتجاني يوسف بشير فهم سلفنا الصالح)..أنتهى
لنا عودة في الأجزاء المتبقية.