شرف الدين عكري: سوسيولوجيا السّرد عند إسراء الرّيس: “زقاق الحكايات” كمرآة للوعي والتّمكين.
سودان ستار

سوسيولوجيا السّرد عند إسراء الرّيس: “زقاق الحكايات” كمرآة للوعي والتّمكين.
تبرز المجموعة القصصية “زقاق الحكايات” للكاتبة إسراء الريس، في المشهد السّردي العربي المعاصر، بوصفها فضاءً نصيّاً يتجاوز حدود الحكاية التقليديّة نحو أفق فلسفيّ. وقد نجحت الكاتبة في تطويع الأداة الفنية لخدمة موقف فكري ناضج، مبتعدةً عن فخاخ الخطابة أو الصدام المجانيّ، لتعيد صياغة دور المرأة انطلاقا من مركزية الفاعلية والقدرة على التغيير.
إنّنا أمام نصوص واعية بذاتها، تتشابك فيها خيوط اللّغة لتشكّل زقاقاً يستوقف القارئ، دافعاً إيّاه للتأمّل في عدّة قضايا مصيرية، في عصر تتسارع فيه التحوّلات الرّقمية وتتآكل فيه مفاهيم الحقيقة.
التّشكيل الجمالي لزقاق الحكايات:
لا تنفصل الرؤية الفكرية لإسراء الرّيّس عن أدواتها الفنيّة، إذ تبني مختبراً ثقافياً يدمج لغة الفلسفة باللّغة الشّاعرية بتفاصيل عالم النشّر، في نسيج يعكس رؤية شاملة للعالم. وتبزر في هذا السّياق تقنية “أنسنة الجماد”، التي تمنح الأشياء أرواحاً وأصواتاً لتكون مرايا كاشفة عن طبائع المجتمع، ناقلة السّرد من الحيّز التقليديّ إلى رحاب الرّمز الفلسفيّ. وفي قلب هذا البناء، تقدّم الكاتبة أيضاً صوراً متباينة للأنثى، متجاوزة الأنماط السّائدة، فبين المرأة الكسولة، والمرأة المهتمة بكافة التفاصيل، والمرأة المانحة بلا مقابل…، نلمس نضجاً أخلاقياً وفنياً يتماهى مع رسالتها التنويرية.
تشريح الرّمز في قصّة “كانت تفكّر في الحقل”:
تُمثّل، حسب رأيي المتواضع، قصّة “كانت تفكّر في الحقل” ذروة المجموعة القصصية، لكونها نصاً موازياً لروائع التراث الإنسانيّ، مستحضرة أصداء “كليلة ودمنة” بصيغة ابن المقفّع، ومناخات “مزرعة الحيوان” لجورج أورويل، وعوالم حنا مينه في تصوير الذات وسط تلاطم الأمواج الاجتماعية.
في هذه القصّة تتحوّل (زهرة السّوسن) من رمز للرّقّة إلى تجسيد للوعي الوطنيّ الرّافض لسطوة (صاحب الشفتين المشقّقتين). كما يكتسب العنوان دلالة مفتاحية، فبينما يغرق أزلام المستبد في ثرثرة الفتنة وادعاءات الجاه، تصبح العودة إلى الحقل إجابة فلسفية على تساؤل الوجود والقّوة. الحقل هنا هو الجوهر، والعمل المبدع، والارتباط بالأرض كقيمة عليا. وبذلك، تعيد القصّة تعريف المقاومة بوصفها احتفاظا بالوعي، ورفضاً للتلوث بالخرافة أو الانجرار خلف أوهام المكانة الزّائفة، موكّدة أنّ السّبيل لتحقيق المراد يمرّ عبر بوابة الإخلاص للحقّ والعمل.
الأدب كبوصلة للوعي:
تؤكّد “زقاق الحكايات” أنّ الأدب لا يزال يمتلك قدرة فائقة على كونه ضميراً يقظاً في مواجهة تزييف الواقع. وتقدّم إسراء الرّيّس نموذجاً للمبدعة التي تدرك واجبها في تعمير الوعي، مُوازِنة بين الفنّ والرّسالة، ومبتعِدةً عن التّقريريّة لصالح الرّمزيّة المتألّقة.