منوعات

«أحبها بإرهاب».. أجمل ما كتبه أنسي الحاج عن فيروز

سودان ستار

أنسي الحاج عن فيروز…

 

(1) بعض الأصوات سفينة وبعضها شاطىء وبعضها منارة , وصوت فيروز هو السفينة والشاطىء والمنارة , هو الشعر والموسيقا والصوت , والأكثر من الشعر والموسيقى والصوت , حتى الموسيقا تغار منه.

(2) عندما أكتب عن فيروز أشعر أنني محمول إلى قلوب الناس الكثيرين الذين أحلم, ككاتب, بالوصول إليهم . وعندما أكتب عن فيروز أرى الموضوع يكتبني عوض أن أكتبه, ويملأني إلى حد أضيع معه في خضم من المعاني والصور والأفكار, لا اعود أعرف كيف أبدأ ولا أعود أرغب أن أنتهي. وغالباً ما قيل عن كتاباتي عن فيروز أن فيها مبالغات, وأقسم بالله أن ما يراه البعض مبالغات ليست في الواقع, غير شحنات لفظية صادقة ولكنها شحنات لفظية لا غير لتغطية فشلي ككاتب في أن أعكس ما يحمله لي, كإنسان, وما يعنيه لي وما يفجره فيّ, صوت يلهم ويفجر ثلاثة أشياء يحتاج عالمنا إليها: الحنان والإيمان والحماسة. وكلما تقدم صوتها كلمة, مقطعا،ً نغما,ً إنفتح أمامنا أفق جديد… وكل غناء لها هو سيطرة على الزمن, وغلبة على الوحشية, وفعل حب.

 

(3) وفي عصرنا المظلم يشق لنا صوتها ممر الضوء ويعيدنا أنقياء. يجعلنا نسترد النقاء لنكتشف, بقوة النقاء وحدها, كل ما يجمعنا بالينابيع الأصلية, كل ما يربطنا بالخير, كل ما يشدنا بعضاً إلى بعض… ولا يمكن تفسير صوتها لأنه حقيقي. حقيقي حتى الخيال. إننا نقول عنه: “غير معقول, فوق الوصف”, لأنه حقيقي. أنه تارة يبدو وديعاً ناعماً كفراشة وطوراً آمراً كملكة وعميفاً كبرق, لأنه حقيقي. إنه آسر ومتجدد لأنه حقيقي. وهو حقيقي لأنه نعمة. وأي شيء حقيقي غير النعمة.

 

إن سعادتي هي أن لا أعرف غير أشخاص يحبون هذا الصوت كما أحبه, وأن يزداد عددهم كل يوم. فليس مجدي فقط أنني أعيش في عصر فيروز, بل المجد كله أنني من شعبها. لا وطن لي غير صوتها, لا أهل غير شعبها, ولا شمس غير قمر غنائها في قلبي.

 

(4) غناء فيروز لا يتشنّج، لا يعلو صراخها. قد يضطرها دورٌ مسرحي إلي الصراخ لكنّ غناءها لا يعرض غضلات. أغلبه هَمْس. بوحٌ من حنجرةٍ إلى وجدان. دفءٌ غامر بلا لَهَب التظاهر. هو لَهَبُ السكوت. صوتُ ماسٍ مائيّ. مَن يَحمل مَن على جناحه، الصوت أم اللحن؟ أحياناً يتبادلان الخدمة، ولكن الصوت مُفْرد وهو محاطٌ بأجمل الألحان. الحقّ أن هذا كان يبحث عن ذاك. إيقاعُ عاصي الرحباني هو الشقيق التوأم لإيقاع فيروز. فيروز الهادئة هادئة على غَلَيان إيقاعيّ لا يتوقّف. تحت جليد الهدوء عروسٌ ترقص في الغابة.

 

(5) “أحبها بإرهاب” – كتب الشاعر (أنسى الحاج) هذا النص فى مناسبة تقديم فيروز مسرحيتها الغنائية “يعيش ! يعيش !” في آذار 1970 على مسرح قصر البيكاديللي.

 

في حياتنا لا مكان لفيروز، كلّ المكان هو لفيروز وحدها، ليكن للعلماء علم بالصوت وللخبراء معرفة، و ليقولوا عن الجيِّد و العاطل، أنا أركع أمام صوتها كالجائع أمام اللقمة ، أحبه في جوعي حتى الشبع، و في شبعي أحبه حتى الجوع، أضم يديّ كالمصلّين وأناديكَ: إحفظْها! إحفظها! إذا كنت الله فهي برهانك، وإذا لم تكن أنت الله فهي بديلك! لقد وقعتُ سابقاً في بشاعة الكبرياء فكتمتُ اعترافي. والآن أقول اعترافي: إني لا اؤمن إلا بها. وأعيش لأنها هي الحياة. باقي ما أفعله، أفعله مرغماً. أنا مرهون بنزوات حنجرتها، عاقد مصيري على نظرها وخنصرها وآثار قدميها. لقد أعادت اختراع الينابيع. ليست هي طريق الحياة بل الحياة. إني أتكلم من اعماق البصيرة حيث الصدق لا يختبىء من الخجل ولا يتدلّل لكي يتعرّى : يا رب إحفظها! يا رب إخدمها! يا رب اعطني كلاماً يليق بها! لقد ساقوا إليها المديح، وارتكبوا بحقها خطيئة التعظيم. ولكن يا رب لماذا اناديك؟ وهل أنت سوى غريب آخر؟ وسط الجماهير المتمازجة القاسية، أخاف فلا ينقذني إلا صوتها. في فراغ المكان، يتردد كالبشارة في ضميري. في الوقت والأبدية، هو حبي. إني أشتهي ان أضمه بيديّ كيديّ. أو أنفخه فيطير كرماد وردة.

 

تغنّي لنا الأسرار التي جهلناها، و الأحلام التي نسيناها ، تغنّي و صوتها مكشوف كاليد المفتوحة، وتغنّي و صوتها محجّب كوجه خفضه العذاب و الخفر إلى رجاء الأرض، حتى لو لم يُكتب لها شعر جميل ، فإن صوتها كفيل أن يجعل أي كلام شعراً جميلاً ، حتى لو لم يكن اللحن رائعاً ، فإن صوتها كفيل أن يجعل أي لحن رائعاً , لأن صوتها هو الشعر، و الموسيقى ، و .. الصوت , لأن صوتها هو الأكثر من الشعر و الموسيقى و الصوت , صوتها و تمثيلها و حضورها , إن في وجودها إشعاعاً يبهر كالبرق، و يستولي على الناظر إليها كما يستولي الكنز على المسافر , صوتها الذي أسمعه فكأنه هو الذي يسمعني ، بل كأنه أحسن من يصغي إليّ و أنا أصغي إليه , صوتها الساقط فينا كالشهيد، المُخمِد حولنا العواصف ، المُلهب فينا غرائز البراءة و الوحشية , صوتها كمصابيح في المذبح، و كزهرة جديدة حمراء في حديقة قديمة , لا صوتها في سمعنا فحسب، بل إلى الأمام من حياتنا , صوتها المنوِّر , الذي تنويره كتنوير الصليب , لنتوقف و نقدّم لفيروز الشكر في جميع العالم، لأن صوتها راعي الرعشة، لأنه هو الرعشة، وهو نار الحب الأخيرة الممشوقة كعروس فوق الماء.

 

أقول «صوت فيروز» وأقصد «فيروز» , تلك المرأة اللامحدودة العطايا ، التي ليس لجمالها نهاية , كلها بكاملها ، متحرّكة وجامدة , كلها ، بأصغر تفاصيلها , إني لا أعرف فناً غيرها , و أحبها بإرهاب ، أي بالشكل الحقيقي الوحيد للحب , إن صوتها هو عصرنا , ولصوتها سبعون نافذة مفتوحة على الصباح , للصرخة إذا خفضناها قليلاً قوّة أشدّ , هكذا صوتها عندما لا يتفجّر كله , وحين يتفجّر كله يصبح الكون بعده جميلاً كغصن شجرة حرقته صاعقة , وما زال أمام صوتها وأمام عبقريته جميع الفرص.

 

يُقال أحياناً : «فيروز !! نعرف ، نعرف» … ماذا نعرف ؟ تقريباً لا شيء , لنسمع صوتها جيّداً ولننظر إليها بعيون نقيّة , عندئذٍ نعرف أنها في كل مرة تبدأ الآن , فهي في كل مرة نضرة كرنّة الثلج في الكأس , ومع هذا فما تخبئه هو أغنى مما أباحته , ليتني أستطيع أن ألمس صوتها , أن أحاصره و ألتقطه كعصفور ، كأيقونة , أن أكتنفه و أشربه و أكونه , أن أصير هو , أن لا يعود يحبس أنفاسي كلّما سمعته وكلّما تذكرته وكلّما نسيته , ليتني أستطيع أن أضمّه على صدري فيصبح لي وأرى أسراره ، و لا يعود ممكناً إنتزاعه مني و لا بالموت , أن ما يحدث لي تجاه صوتها ليس فعل السحر , أنه اجتياح , إنه فعل الإتحاد التام , عندما أسمعها أصبح إنساناً ناقصاً صوته , أصبح بصوتها , إنها الجمال الذي ضاع منذ الخليقة , وعندما تسكت فبوحشية يصير المسرح تحت سكوتها مقاطعة تتنفس الحنين إليها ، ثم تصرخ عطشى إلى كلام فيروز , كم سكوتها مؤلم !! إنه يأخذ الأسرار التي إن لم تقلها لنا تختنق , هل هي تفرح بعذابنا أمام سكوتها ؟ وها هي تقطع الصمت , ها هو وجودها يغضب كالضوء ، يموج كالبجع الأبيض ، يرقّ كنداء العينين , وتبكي و تضحك بلا بكاء و لا ضحك ، و تملأ الدنيا بقليل منها ، لأن القليل منها أكثر من السعادة.

 

هذه التي تشعل المسرح هي أيضاً تشعشع لنا الحياة , و المسرح ليس حيث المسرح فحسب ، المسرح هو أيضاً قلوبنا , بعلبك و الأرز و دمشق و بيت الدين و قصر البيكاديللي و كل مكان يأتي منه صوتها ، جعلتها فيروز أوطاناً لنا , إحفظها! إحفظها! فيها خطر يجذب كالبحر , ألا تعرف ما الذي يأخذك في صوتها ؟ هو الجبل الذي هو هاوية ، والنسيم الذي هو عاصفة , صوتها مثل مركب شراعي يمضي في وجه النوّ ، فيتوجّع ويتمزّق ، حتى يغلب بعناده جنون الطقس ، فتسجد فوضى الكون أمامه منهوكة كالرجل على صدر حبيبته , مرآة الشوق ، مرآة الحنان والحنين ، مرآة الحب ، مرآة الجرح و الصدق ، و أكبر مرآة للحزن والشهيّة , لو كان صوتها صليباً لحملته ، و لو كان بحراً لأشعلته , لكنه أعظم من ذلك , إنه الجمال , و أي هدف أعظم من الجمال يقدر الإنسان أن يعيش له ؟ لو قلت أن فيروز هي الوحيدة لما قلت شيئاً , لو قلت أنها كل شيء ، لما قلت شيئاً , و لو قلت أني مهما قلت سأبقى عاجزاً عن القول ، لما قلت شيئاً , في حياتنا لا مكان لفيروز , كلّ المكان هو لفيروز وحدها , في حياتي لا مكان لفيروز , إن فيروز حياتي.

 

(6) فيروز صوتٌ يخترقُ دروعَ اللامبالاة، يبكّت ضميرَ الهزء، يطهّر النفس كما يطهّرها البكاء لا العقاب، محبّةُ الطفل لا مهادنة العدوّ. هذه السلطة الأخلاقيّة ليس مثلها لفلسفة ولا لتعليم. ربّما مثلها في شواهد خارقة. لا تُحبّ فيروز أن يُقال عنها «أسطورة» أو «أيقونة». كان عاصي يلقّبها بـ«البطرك» إشارة إلى المهابة ولم تضحك لهذه المداعبة. تكره التحنيط. تكره المصطلحات. تريد أن تتأكّد من حيويّة فنّها كلّ لحظة. عندما تسمع أغانيها الأولى تبتسم بتأثّر قائلة «يا الله هديك البنت!». تتعجّب لها، كما لو أنّها مغنّية أخرى. تجتاز أعمارها باضطرام وهدوء معاً، كما لو أنّها وُلدت الآن. لكنّها في الواقع غداً ستولد. الحفلة المقبلة هي الأولى. تحبّ ماضيها الفنّي ولا تتجمّد عنده. لا يوقف حلمها شيء. حلمٌ مُطْلَق. حلم بمَ؟ توقٌ إلى مَ؟ «أنا عندي حنين/ ما بعرف لمين». والجميل، المؤلم الجميل، أنْ لا تَعْرف. كل يوم ينبثق الفجر ويكتفي الزمن بدورته الرتيبة، إلّا فجر الفنّان، أمسه غير يومه ويومه غير غده. هذا المجهول هو الحبيب. هذا الخيال هو الذي يهفو إليه الشوق. هذا الجزء هو المبحوث عنه دون كَلَل. الجزء الناقص للكمال، فقط هذا، فقط بعدُ هذا، هذا هو! بلى، هو! وجدتُه! وجدتُه! «كأنّها» وَجَدَتْهُ. لم يكن إلّا دَرَجة أخرى في السلّم. طيّبة هذه اللحظة، شكراً للّه! شكراً أيّها اللحن، أيّها الشعر، أيّها الجمهور الحبيب! شكراً يا ربّي على نجاحي! على صوتي! على أصدقائي! يا إلهي ما أكرمك! ولكنْ، ولكنْ، لمَ أقفرت الصالة بعد الحفلة؟ أين راحوا؟ «متل الحلم راحوا». وأنا أرجع الآن إلى العزلة، الانتظار، التحرُّق على هذا اللعين الذي لا يزال ناقصاً! هَبْني يا ربّ فرصةً جديدة علّني أجده فأرتاح! أرتاح! يا إلهي!… ولن تَجِديه يا فيروز. حُلمكِ يحفرُ فيكِ كما يحفر النهرُ العظيم في الأرض. رُوحُكِ عَطّشها اللّه لتظلّ تضيء شموعَها الرائعة على طريق الرجاء. نهرٌ هادرٌ وعطشان: هذا هو عذابُ الموهبة.

 

يكمن عَصَب الجمال في الجاذب الذي يشدّنا إليه، جاذبٌ يستمدّ طاقته من غموضه. هذه اللوحة ليست هويّتها الملموسة ما يذهلنا بل التيّار الذي يسري فجأةً بيننا وبينها. الصوتُ ليس هو الصوت ولا ما يقوله بل العلاقة التي ننسجها معه في غفلة من إدراكنا نحن الطرفين، علاقة تمليها علينا كهرباءُ ساطية، مبهمة، تنهار لها الحواجز. ليس بكبير على السحر. حظّ الإنسان عظيمٌ أن يكون سرّ الجمال أشدّ انغلاقاً عليه من سرّ الحياة.

 

في الكلام على فيروز ألف شهرزاد. لا ينتهي. وهل ينتهي الذهول أمام الأسرار؟ بعض سرّها التقاء الطموح والقناعة، والحذر والطفولة، والغموض والشفافية، والشمس والقمر. سرّ انصهار اللغز والبساطة. سرّ كلّي محصَّن مُغْلَق كنظام متراصّ، لا نافذةَ له على العالم إلّا الفنّ. كلّ الفنّانين يعيشون حياتهم إلى جانب عملهم الفنيّ إلّا فيروز: حياتها هي فنّها، تتنسّك له أكثر من الرهبان وتتحمّل في سبيله أكثر ممّا يتحمّل القدّيسون. لقد خطفها صوتُها إليه قبل أن يخطفنا صوتُها.

 

،،،

 

«لن أكون بينكم لأن ريشةً من عصفور في اللطيف الربيع ستكلّل رأسي وشجر البرد سيحويني وامرأة باقية بعيداً ستبكيني وبكاؤها كحياتي جميل…»

 

أنسي الحاج (1937 – 2014) وداعاً…

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى