
عندما يشعر الانتهازيون أن السفينة تغرق!
يبدو أن مالك عقار، وهو يمد يده اليوم نحو تحالف صمود، لا يفعل ذلك حبًا في المدنية ولا وفاءً لشعارات الثورة، بل لأنه شمّ رائحة الغرق في السفينة التي ركبها مع تحالف الحركات المسلحة المشتركة في حضن جيش الكيزان. فالانتهازي لا يراجع موقفه حين يصحو ضميره، بل حين يرى السقف يتهاوى فوق رأسه، وحين يكتشف أن السوق السياسي الذي باع فيه مواقفه قد بدأ يخسر زبائنه.
لقد اصطف بعض قادة الحركات المسلحة مع معسكر الحرب ظنًا منهم أن التحالف مع بندقية الكيزان سيمنحهم شرعية جديدة، وغنائم جديدة، ومقاعد جديدة في خرائط السلطة القادمة. لكن الحرب، كعادتها، لا تحترم الانتهازيين طويلًا. فهي تستخدمهم وقودًا، ثم تلفظهم عندما تنتهي الحاجة إليهم. وما الاحتكاكات والتوترات بين جيش الكيزان وحلفائه من القوات المشتركة إلا نذير مبكر بأن شهر العسل الدموي يقترب من نهايته.
الأخطر من ذلك أن رائحة صفقة قذرة بدأت تفوح من بعيد: تقارب محتمل بين الكيزان وربيبتهم الجنجويدية، تلك الربيبة التي صنعتها الدولة العميقة، ثم تظاهرت لاحقًا بأنها عدوها الوجودي. وما ظهور أسماء مثل النور القبة وبقال والسافنا في مشهد التحركات والانشقاقات والاتصالات إلا جزء من دخان كثيف يسبق عادةً حرائق التسويات المشبوهة. فالسودانيون يعرفون جيدًا أن الكيزان لا يقطعون خيوطهم كلها مع أدواتهم؛ يخاصمونها في العلن، ويفاوضونها في الظلام، ثم يعيدون تدويرها عندما تقتضي المصلحة.
وهنا تكمن الفضيحة الكبرى: أن الذين باعوا أنفسهم لطرفي الحرب سيجدون أنفسهم غدًا عراة أمام الشعب. من اصطف مع جيش الكيزان سيُحرج إذا صالح الكيزان الجنجويد. ومن اصطف مع الجنجويد سيُحرج إذا عاد الجنجويد إلى حضن صانعهم القديم. وحينها سيسقط القناع عن الجميع: لم تكن المسألة وطنًا، ولا ثورة، ولا حماية مدنيين، ولا استعادة دولة؛ كانت كلها حسابات سلطة، وغنائم، ومناصب، ونجاة شخصية.
مالك عقار اليوم ليس حالة فردية، بل نموذج كامل لطبقة سياسية مسلحة ومدنية عاشت على تبديل المواقف كما يبدل التاجر بضاعته. بالأمس كان بعضهم يصرخ ضد الكيزان، ثم صاروا حلفاءهم في حرب مدمرة. واليوم، عندما بدأت ملامح الغرق تظهر، صاروا يبحثون عن أبواب خلفية للنجاة، وعن مصافحة جديدة مع القوى المدنية، وكأن ذاكرة الشعب مثقوبة، وكأن دماء الضحايا بلا شهود.
لكن على تحالف صمود، وعلى كل القوى المدنية الجادة، أن تنتبه جيدًا: لا ينبغي تحويل المأزومين أخلاقيًا إلى شركاء بلا مساءلة. لا ينبغي أن يصبح باب المدنية مغسلة سياسية يغتسل فيها كل من تلوث بالحرب ثم جاء طالبًا صك براءة. نعم للحوار الذي يوقف الحرب، لكن لا للصفقات التي تعيد تدوير الانتهازيين. نعم للسلام العادل، لكن لا لسلام يساوي بين الضحية والجلاد، ولا لسلام يمنح سماسرة الدم مقاعد جديدة باسم الواقعية.
إن السيناريو المتوقع واضح: الكيزان يحاولون إعادة ترتيب المسرح، والجنجويد يبحثون عن مخرج، والحركات المشتركة تخاف من أن تُرمى خارج الصفقة، والانتهازيون يفتشون عن قارب نجاة. أما الشعب السوداني، صاحب الوجع الحقيقي، فعليه ألا يسمح مرة أخرى بأن تُباع دماؤه في سوق التسويات الليلية.
لقد آن الأوان لفضح هذا المخطط قبل أن يكتمل. كل من اصطف مع الحرب يجب أن يُسأل: أين كنت عندما كان المدنيون يُقتلون؟ أين كنت عندما كانت المدن تُنهب وتُحرق؟ أين كنت عندما كان الوطن يتحول إلى خرائب؟ لا يكفي أن تقفز من السفينة حين تغرق؛ المهم أنك ركبتها مختارًا حين كانت تبحر فوق دماء الناس.
إن السودان لا يحتاج إلى انتهازيين يغيّرون مواقعهم مع اتجاه الريح. السودان يحتاج إلى موقف أخلاقي واضح: لا عودة للكيزان، لا شرعنة للجنجويد، لا مكافأة لمن تاجر بالحرب، ولا تسوية فوق جثث الضحايا. ومن يريد أن يعود إلى صف الشعب، فليأتِ أولًا باعتراف صريح، واعتذار واضح، وموقف لا لبس فيه ضد طرفي الجريمة.
أما غير ذلك، فهو مجرد تبديل مقاعد في سفينة تغرق.