مقالات الرأي

الجميل الفاضل يكتب الإسلاميون في مستنقع الأمتار الأخيرة؟!

سودان ستار

 

 

ليست الحروب، في خواتيمها، هي التي تقرر مصائر الأمم، وإنما ما يتسلل بينها من صمتٍ أثقل من المدافع، وما ينبت تحت ظلالها من خرائط لا ترسمها في النهاية البنادق وحدها.

هنا، في مثل هذه اللحظة الفارقة التي يعجز فيها الحديد عن حمل النار، يبدأ التاريخ حديثاً خافتاً، لتصبح الهدن أكثر رهبةً من أي معركة؛ لأن المعارك قد تغيّر مواقع الجنود، أما الهدن الكبيرة فقد تغيّر معادلات السلطة ذاتها، من خلال إعادة تعريف من يملك مفاتيح هذه السلطة ومن يغادر أروقتها.

ولعل الحركة الإسلامية هي الأكثر استشعاراً الآن لثقل هذه اللحظة التاريخية، ولذا تبدو مدركةً أكثر من غيرها أن الانتقال من منطق البندقية إلى منطق التسوية لا يعني مجرد إسكات المدافع، لكن هو فتحٌ للباب أمام إعادة النظر في البنية السياسية والعسكرية التي استقرت عليها موازين القوى في البلاد لعقود.

ولهذا لا تبدو هدنة التسعين يوماً، المطروحة اليوم تحت عنوان “حماية المدنيين وإغاثتهم”، مجرد فسحة إنسانية بين جولتين من القتال، بقدر ما تبدو أقرب إلى بابٍ ضيق يريد القدر أن يعبر منه السودان من زمنٍ إلى زمن، ومن هندسةٍ قامت على احتكار النفوذ والسلطة، إلى هندسة تبحث عن صيغة أخرى لإعادة بناء الدولة نفسها.

وبالتالي فإن هذه الحركة لا تقرأ هذه الهدنة باعتبارها مجرد توقف لإطلاق النار، الأمر الذي دفعها لاستحضار ترسانة مناوراتها القديمة، ولإعادة ارتداء قمصان الذرائع كلما ضاق أمامها أفق الخيارات البديلة.

لتخرج في كل مرة قميص “عامر” جديد من خزائنها التي تعج بأقنعة المخاتلة والخداع.

فقد ظلت هي هكذا، كلما ضاقت بها السبل ترفع الشروط، وكلما اقتربت من ساعة الحقيقة تكاثرت عندها الذرائع،

وكأن المطلوب منها ليس الوصول إلى سلام، بل العثور على سبب جديد يمنع بلوغ هذا السلام.

ومن هنا جاءت شروطها التعجيزية، وفي مقدمتها المطالبة بانسحاب الدعم السريع من جميع المدن التي يسيطر عليها قبل أي مسار إنساني أو سياسي؛ وهو مطلب تعذر فرضه بقوة السلاح في ساحات القتال، فإذا به يُستدعى إلى طاولة التفاوض، لا بوصفه هدفاً قابلاً للتحقق، لكن بوصفه عقدةً يُراد بها تعطيل المسار كله، وإلقاء عبء الرفض على الطرف الآخر أمام الوسطاء.

غير أن العالم، فيما يبدو، لم تعد تنطلي عليه حيل هؤلاء الإسلاميين وأحابيلهم المستهلكة، بعد أن دخلت أزمة السودان أمتارها الأخيرة.

وبطبيعة حال الأمتار الأخيرة لا تُرمى فيها الأوراق الصغيرة، لكن تُلقى الهواجس كلها فوق الطاولة، حيث لا يعود الصراع على مدينة أو جبهة، إنما على الرواية التي ستبقى بعد أن يخمد هذا الغبار.

المهم أن الورقة الأثقل هذه المرة أتت من واشنطن، كإشارة إلى أن زمن المجاملة يوشك أن ينقضي، وأن المجتمع الدولي بدأ يضيق ذرعاً بمحاولات هذه الحركة إطالة أمد الحرب تحت أي مبرر.

وبالتالي فإن إثارة ملف استخدام السلاح الكيميائي ورفعه إلى منصات منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، لا يبدو مجرد إجراء قانوني، بقدر ما يبدو رسالة سياسية واضحة بأن شرعية نظام البرهان قد أضحت هي نفسها محل نظر، وأن العالم أخذ يبحث جديا عمن سيتحمل وزر أخطر جرائم هذه الحرب.

علي أية حال، هي رسالة تقول، بلغة لا تحتاج إلى كثير تفسير، إن الاحتماء بقميص “عامر” لن يؤخر الحساب، وأن الإقامة الطويلة فوق شجرة السلطة لا تعني أن الريح قد كفت عن الهبوب.

وفي الضفة الأخرى، تُدار اللعبة ببرودة مختلفة.

فكلما ارتفعت الشروط، انخفض خطاب المرونة.

فالقبول المعلن بالهدنة الإنسانية، والاستعداد للمضي فيها دون شروط إضافية، يتحول إلى ورقة سياسية تلقي بثقل التعنت على الطرف المقابل.

غير أن ما يختبئ خلف كل ذلك أعمق من تفاصيل السياسة.

فالرعب الحقيقي لا يسكن نص الهدنة، بل ما بعدها.

إذ أن الهدنة مصممة أساساً على أنها ليست نهاية الطريق، وإنما بدايته. وأنها ليست مجرد محطة لتوزيع الغذاء والدواء، بل هي أول درجات السلم المؤدي إلى إعادة بناء المؤسسة العسكرية، وإعادة تعريف القيادة والسيطرة، وإعادة توزيع عناصر قوة الدولة بتوازن.

وهنا يكمن موضع الوجع الحقيقي. فالإصلاح الأمني والعسكري، في نظر كثير من رموز الإخوان المسلمين، لا يمثل مجرد بند تفاوضي، إنما يمثل هو نهاية مرحلة تاريخية ظل فيها النفوذ السياسي والعسكري متشابكاً على نحو منح هؤلاء الإخوان مساحة واسعة من التأثير.

ولذلك يبدو الخوف من اليوم التالي للهدنة أكبر من الخوف من الهدنة نفسها.

ولهذا تقاوم الأقدام الباب قبل أن يُفتح، لأن ما وراءه ليس إعلان وقف إطلاق نار، لكن صرخة ميلاد دولة جديدة، لا تُدار فيها السلطة بمنطق الامتيازات الحصرية لمنسوبي الجماعة، ولا يحتكر فيها سلاح التنظيم تقرير مصير البلاد.

ولذلك تبدو المعركة في حقيقتها أبعد كثيراً من خطوط النار وحدود الخرائط العسكرية. إنها معركة بين زمنين:

زمن يحاول أن يطيل عمره بالذرائع،

وزمن آخر أخذ يمد يده بهدوء الواثق ليطوي هذه الصفحة.

ربما لهذا تبدو الأمتار الأخيرة هي الأصعب على الإخوان؛ ففيها لا يختبرون قدرتهم على كسب جولة سياسية، إنما قدرتهم على التكيف مع سودان مختلف، لا يشبه بأي حال من الأحوال السودان الذي صنعوه بأيديهم، ولا المعادلات الثابتة التي ظلت تحكم مشهده لعقود.

وللحقيقة فإن قميص “عامر” لن يكون اليوم سوى قطعة قماش أخرى تعلقها الريح على أغصان الأمس.

أما التاريخ، فسوف ينظر إلى هذه الأكتاف العارية التي تتهرب إلى الآن من حمل أوزار عهدها.

المهم يبدو أن رصاصة الهدنة قد غادرت فوهتها بالفعل، لا لتقتل أحداً، بل لتصيب وهماً ظل طويلاً يعتقد أن السلطة ميراث، وأن الأوطان تُدار إلى الأبد من فوهات البنادق.

غير أن سنن التاريخ لا تعرف الجمود. فإذا جاء أوان التحول، فلن يستطيع أحد أن يحجب الفجر، ولو رفع بوجهه ألف قميص.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى