
إن غياب الفلسفة في الفكر النسوي العربي يمثل مؤشراً إبستمولوجياً على أزمة الفلسفة في الثقافة العربية المعاصرة عموماً. الفلسفة في جوهرها وماهيتها هي فعل النقد، و التساؤل المستمر، إنها تخطٍ، وتجاوز دائم ؛ وعندما تغيب، ينحصر الفكر ويتضاءل ويتجمد،بما أنها انفتاح وابتكار واكتشاف، تجعل الفكر في حالة صيرورة غير متناهية، والبقاء في “الدهشة” وصياغة متجددة للمفاهيم والرؤى. إن ممارسة الفكر دون فلسفة يعني “موت الفكر” وتناهي السؤال، حيث يصبح العقل حبيس البدايات، بينما الفلسفة هي التي تسير بالفكر في دروب الكشف المستمر، وتجعله فكراً “لذاته” لا فكراً “في ذاته” منغلقاً ومتناهياً.
إن أزمة الفلسفة في الفكر العربي لا يمكن حصرها في أسباب وعوامل محدودة، وإنما هي عوامل متداخلة ومتشابكة؛ فقد عملت الأنظمة السياسية على تأطير الواقع وحجب الوعي من خلال مصادرة الوسائل المؤدية لإنتاج الأفكار، وتجفيف منابع الإبداع، ومحاربة المفكرين. كما وظفت السياسة “المطلق الديني” لحجب الأفكار الحرة، فباتت التساؤلات (سياسية، اجتماعية، أو حقوقية ، فلسفية ، وجودية… إلخ) تُختزلُ قسراً إلى إجابات جاهزة في “المطلق”. هذا الهروب نحو اليقين السريع و الدوغمائيات الساكنة والحشد الأيديولوجي الثرثاري جعل الفكر العربي “إصلاحياً ونضالياً” وليس فكراً يتجاوز الواقع ويشكله.
وانعكس ذلك على مناهج التعليم، خصوصاً في الجامعات التي اختصرت الفلسفة في ساحات للتلقين، يتم فيها اغتيال العقل الفلسفي وتدريبه على الحفظ والإيمان دون الشك والتساؤل والتأمل. لقد تحول الفكر العربي إلى علوم “أداتية” تهدف لمعالجة الأزمات السطحية (التقنية) بدلاً من فهم الماهيات، وتفكيك بنى السلطة والمفاهيم.
أزمة الفكر النسوي: لماذا الحاجة للفلسفة؟
هذا البُعد عن الفلسفة أدى لمحدودية الفكر النسوي وحوّله لحركات مطلبية حقوقية تدور في حلقة مفرغة. فالتحرر الذي يكون عبر القوانين هو “تحرر خارجي، فوقي، ظاهري” ولذا هو تحرر مغلق؛ لذا رغم نيل الحقوق، لم تتحرر المرأة لأن التحرر غائب عن الرؤية الفلسفية التي تفكك المفاهيم وتذهب بالفكر النسوي إلى أقصى تجلياته وتعيد صياغة الوعي الاجتماعي الأبوي الذي صور الذات كشيء خاضع يعاد صياغته.
إن النظر إلى الفكر النسوي بمنظور فلسفي يفتح آفاقاً مستمرة ، لكن غياب الفلسفة أدى إلى أن تكون الدراسات النسوية دراسات تقنية، تدور حول قضايا الجسد والختان والبكارة والعمل والتعليم والحجاب، وتعالجها كقضايا مطلبية يمكن أخذها من خلال التشريعات دون رؤية فلسفية تعالج الجذور وتفكك هذه المفاهيم وكيفية تشكلها، وما هي أبعادها وكيف يمكن صياغة ذات نسوية متحررة. فالواقع أثبت أن نيل الحقوق لم يغير من الوعي حول الذات، بل أصبحت هذه الحقوق مجرد تشريعات ودساتير ليس لها أثر، فالنظام استوعب هذه المطالب ومنح المرأة حقوقاً إجرائية لكن إعادة صياغة الذات وكينونتها ضمن تلك الحقوق التي ظلت غائباً ، وظلت المرأة “موضوعاً” وليست “ذاتاً” فاعلة، لأن الفكر النسوي ظل علي الدوام رهين النظام السائد؛ ولم يمتلك الجرأة لتفكيك بنى السلطة التي تشكل الوعي الجمعي واللغة؛ قد تحول بطريقة لا واعية إلى آلية تعيد إنتاج ذات المفاهيم التي يسعى لتفكيكها، جعل السلطة تدرك أنها هي التي تضطهد المرأة والتحرر يكون من خلالها، وهكذا يدور في فضاء السلطة وما تسمح به من مطالب بالحقوق دون إعادة صياغة الوعي وتحليل السلطة وكيفية صنع الذات والهوية الجندرية.
إن غياب الفلسفة لم يجعل الدراسات النسوية تقنية حقوقية مطلبية فحسب، بل جعلها أيضاً في كثير من الأحيان تغيبُ الرجل من معادلة التحرر، وكأنها قضية “فئوية” تخص النساء وحدهن. إن التحرر الحقيقي، في جوهره، هو عملية وجودية شاملة تشمل الرجل والمرأة معاً؛ فلا يمكن تحرير المرأة في مجتمع يرسخ تراتبية طبقية بين الجنسين في عقل الرجل،لأن العلاقة بينهما تبادلية، وقهر أحدهما هو بالضرورة قهر للآخر وتشويه لماهية إنسانيته؛ لذا دون تحرير الوعي الوجودي الجندري سيظل الرجل يعيد إنتاج النظام وتعيد المرأة إنتاج النظام مرة أخرى، وهكذا يستمر إنتاج حلقة مفرغة بصورة مستمرة.
إن النظام الأبوي لا يضطهد المرأة فحسب، بل يشوه إنسانية الرجل أيضاً؛ فهو يسجنه في قوالب “الذكورية ” وواجبات السيطرة، مما يجعله “معاقاً فكرياً” ومقيداً بأيديولوجيا تمنعه من أن يكون ذاتاً حرة وأصيلة. فالرجل الذي يمارس القهر هو نفسه “مقهور” من قِبَل النظام الذي أقنعه أن قيمته تكمن في سلطته وتفوقه الوهمي. ومن هنا، لا يمكن تمكين امرأة في مجتمع يظل فيه الرجل مقيداً بالعماء الفكري؛ فإذا تحررت المرأة “قانونياً” وظل الرجل يحمل ذات “الوعي الأبوي” فإن الصدام سيؤدي لنشوء أشكال جديدة من العنف.
إن تناول القضايا النسوية بمنظور فلسفي يعمق الرؤى ولا يجعلها تبني على حقوق مطلبية ، بل تهدف لتحرير الذات “المرأة والرجل معاً” من العقلية التي جعلت أحدهما سيداً والآخر عبداً. الفلسفة هي الأداة التي تضع الرجل أيضاً في مواجهة نفسه وتفكك له بنى السلطة التي تشكل وعيه منذ الطفولة، لكي يدرك أن حرية المرأة هي اتساع لآفاق حريته الشخصية وليست انتقاصاً منها. إن التحرر الحقيقي هو خروج الطرفين من حالة “الموضوع” إلى حالة “الذات”، وعندما يتحرر الرجل من عبء “السلطة الأبوية”، يصبح قادراً على بناء علاقة قائمة على “الندية” لا “التبعية”، وهنا فقط تبدأ الثورة الفلسفية الحقيقية في المجتمع.
نموذج نوال السعداوي
ركزت نوال السعداوي على المنظور الاشتراكي الكلاسيكي، بتركيزها على النظام الأبوي الرأسمالي الذي يهدف إلى السيطرة على جسد المرأة عبر (الختان، والحجاب، وقوانين الأحوال الشخصية… أي ما هو مادي) كوسيلة ممنهجة تستخدمها الأنظمة السياسية والدينية لفرض سيطرتها وإحكام قبضتها على النساء. لقد رأت السعداوي أن تحرير عقل المرأة يظل غير ممكن ما دام جسدها مستباحاً ومقيداً بالختان وجرائم الشرف، لأن هذا القيد المادي ينعكس مباشرة على شخصيتها وبنيتها النفسية. ومن هنا رأت أن “التحرر الجسدي” سابق للعقل، أي أن التحرر كـ “مادة” هو الشرط الضروري الذي يسبق التحرر كـ “فكر ووعي”.
وفي هذا السياق، نجحت نوال في إثبات أن مفاهيم “الشرف” و”البكارة” هي مفاهيم اجتماعية وسياسية بامتياز وليست حقائق بيولوجية، وهي هنا تتماهى مع الأطروحة الوجودية لسيمون دي بوفوار، وانتقدت بشدة اختزال شرف المرأة في “قطعة غشاء”، معتبرة ذلك اختزالاً مادياً مهيناً يُستخدم لضبط سلوكها؛ بالنسبة لها، المرأة بيولوجياً كاملة، ولكن المجتمع هو من يحولها إلى “جسد للإنجاب والمتعة” ويحجب وعيها عن ذاتها وجسدها ولا يعرفها إلا كـ “جسد”.
ورأت أن الختان ليس مجرد ممارسة اجتماعية، بل وسيلة تاريخية متعمدة لحجب وعي المرأة حول جسدها، “لأن بتر الأعضاء الجنسية ما هو إلا إعادة صياغة لجسد المرأة بجعله متناهياً”. إنها عملية سياسية تهدف لميكانيزمات السيطرة النفسية التي تمتد لسنوات طويلة؛ مشيرة إلى أن الكثير من النساء يجهلن أجسادهن (مثل البظر) بسبب الختان، مما يربط علاقة المرأة بالجنس بمشاعر الخجل والخطيئة. لذا، رأت أن الوسيلة الأولى للتحرر هي “الاستقلال الاقتصادي” والخروج للمجال العام لكسر التبعية للرجل، معتبرة أن اضطهاد المرأة بدأ تاريخياً مع ظهور “الملكية الخاصة” التي حولت العلاقة بين الجنسين إلى علاقة (سيد وعبد).
كما شمل نقد نوال نظرية فرويد عن “حسد القضيب”، حيث رأت أن المرأة لا تحسد الرجل على أعضائه البيولوجية، بل تحسده على حريته، وحقه في الحركة، وقدرته على اتخاذ القرار. و انتقدت “ازدواجية المعايير” التي تمنح الرجل حق الافتخار بنزواته بينما تُعاقب المرأة عليها. وفي الوقت الذي يُحجب وعي المرأة بجسدها، يُطلب منها تزيين جسدها للرجل. وفي رؤية شمولية، انتقدت نوال “الهيمنة المزدوجة” (النظام الأبوي المتمثل في الحجاب) و(الرأسمالية التي تعري الجسد عبر تسليع الجمال)، وطرحت مفهوم “وحدة القهر”؛ فالقهر الذي يمارسه الزوج في المنزل هو ذات القهر الذي يمارسه الحاكم والمستعمر في الفضاء العام. ورأت أن “الدين” بحد ذاته ليس هو العلة في وضع المرأة، وإنما “التفسيرات الذكورية” للدين هي المسؤولة عن هذا الواقع.
مأزق الرهان على “المادي” ونقد الفكر النسوي
رغم تفكيك نوال لـ “وحدة القهر” بين الحاكم والزوج، ونقدها لعقدة النقص عند فرويد وتأكيدها كمال الذات الأنثوية بيولوجياً، ظل فكرها سجين الرهان على “المادة”؛ بل رأت أن اضطهاد المرأة بدأ مادياً والتحرر منه يكون مادياً دون رؤية فلسفية تفكك هذه المادة. فقد رأت تحرير المرأة يكون عبر فهمها لجسدها عبر القوانين التي تمنع الختان وجرائم الشرف وتندد بالتعليم والعمل، وأن التحرر الجسدي والاقتصادي يسبق الوعي، لكن هذا المنهج الاشتراكي الكلاسيكي هو مأزق النسوية العربية المعاصرة؛ فقد تحولت الدراسات النسوية إلى “دراسات تقنية حقوقية مطلبية” غارقة في الجسد والختان والتشريعات، تعالج “النتائج” وتغفل الأسباب الفلسفية؛ لأن هذه القضايا هي نتائج للعقلية الذكورية؛ فالختان نتيجة، وجرائم الشرف نتيجة، وحرمان المرأة من التعليم والعمل نتيجة، وعدم تمكينها سياسياً نتيجة. لذا التركيز على النتائج دون تفكيك النظام الذي أنتجها يجعلنا ندور في حلقة مفرغة، نطالب بنيل الحقوق في الوقت الذي يعيد فيه النظام تشكيل نفسه وتشكيل الوعي.
إن نيل الحقوق المادية لم يحرر المرأة من الوعي الزائف، لأن هذا التحرر ظل “فوقياً، ظاهرياً، ومغلقاً”. لقد حول النظام هذه المطالب إلى “إجراءات” دون أن يمس الماهية، مما جعل التحرر الحقوقي مجرد “ختان فكري” جديد، حيث نملك الحق في الحركة والمادة، لكننا لا نملك “الذات الفاعلة” التي تعيد صياغة الوجود.
والمأخوذ على النسوية العربية في هذا السياق، أنها تناولت الجسد (الختان، البكارة، الحجاب …) كقضايا مطلبية تُختزلُ في إصلاحات قانونية تهدف لـ “التجريم والمنع” بدلاً من تناولها بمنظور فلسفي يعيد تفكيك ماهية الجسد وكيف تشكل اجتماعياً. إن غياب الفلسفة جعل الجسد يدور حول ثنائية (المنع أو المنح)؛ فبمجرد استيفاء الاستحقاق القانوني، يتجمد الفكر النسوي لأنه لا يملك رؤية لما بعد القانون، عكس التحرر بمنظور فلسفي الذي يفتح آفاقاً غير متناهية. وهذا ما انتبهت له بيتي فريدان في الموجة الثانية عندما رأت أن الفكر تجمد لأربعة عقود بعد الموجة المطلبية الأولى، لأن القضية المطلبية تنتهي بمجرد نيل المطالب وليس بتفكيك النظام وإعادة صياغة الذات.
إن التحرر الذي يأتي عبر القوانين هو تحرر “خارجي، فوقي، وظاهري”، ولذلك هو تحرر مغلق متناهٍ. والواقع أثبت أن نيل المكتسبات المدنية من تعليم وعمل وحقوق سياسية لم يغير الوعي بالذات؛ فجموع من النساء نلن حقوقهن المادية لكنهن ظلن يفكرن بـ الوعي الزائف وخضعن لتوجهات المجتمع. إن التحرر القانوني المادي دون ثورة وعي هو “تحرر قاصر”؛ لأنه لا ينفذ للداخل ليحرر “الختان الفكري” القائم. التركيز على الختان، وحرمان من العمل، والاغتصاب هو تركيز على “نتائج” النظام الأبوي الرأسمالي، ومعالجة هذه النتائج بالقانون دون معالجة “العقل” الذي ينتج هذه الأفكار تجعل النظام يعيد سجن المرأة بآليات سيطرة مستحدثة تكرس التبعية .
الخاتمة
إن غياب الفلسفة عن الفكر والدراسات النسوية حولها إلى حركات محدودة الرؤى والأثر وارتهان يساهم في شرعنة السلطة؛ فالخطاب النسوي أصبح بطريقة لا واعية يعيد إنتاج المفاهيم عبر تركيزه على “المطالب” مما منح السلطة شرعية جعلها تمتلك دور ‘المضطهد’ و’المحرر’ في آن واحد. هذا جعل الفكر النسوي “شريكاً” فقط في صياغة قوانين الأسرة والأحوال الشخصية، بدلاً من أن يكون “قوة جارفة” تعيد صياغة الوجود الإنساني. إن حصر قضايا المرأة في الجانب المادي “الأبعاد الاقتصادية والسياسية والجسدية”. والنظر إليها كقضايا منفصلة عن تحرير المجتمع بصورة عامة جعل الفكر النسوي ضعيفاً ومنغلقاً، والرهان على أن التحرر المادي يتبعه تحرر فكري هو رهان خاسر؛ لأن التحرر المادي دون “رؤية فلسفية” تجعل المرأة “ذاتاً حرة” سيعيدها لممارسة نفس الأدوار التبعية بمجرد نيلها المال أو العمل.
لقد أدى الانفصال عن “الذات الوجودية” إلى جعل الحركة النسوية تركز على ما هو “جماهيري وحقوقي” وتهمل “الذات الواعية” التي تطرح سؤال وجودها. هذا الانفصال جعل النسوية العربية نخبوية ظرفية تنتهي بمجرد نيل الحق، بينما الفلسفة هي التي تجعل التحرر فعلاً مستمراً وصيرورة غير متناهية.